صديق الحسيني القنوجي البخاري
529
فتح البيان في مقاصد القرآن
لأعذبنكم ، دل عليه إن عذابي لشديد وإنما حذف هنا وصرح به في جانب الوعد لأن من عادة الكرام التصريح بالوعد والتعريض بالوعيد فما ظنك بأكرم الأكرمين . وَقالَ مُوسى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً أي وجميع الخلق من الثقلين نعمته تعالى ولم تشكروها وجواب الشرط محذوف أي فما أضررتم بالكفر إلا أنفسكم حيث حرمتموها من مزيد الأنعام وعرضتموها للعذاب الشديد فَإِنَّ اللَّهَ سبحانه لَغَنِيٌّ عن شكركم لا يحتاج إليه ولا يلحقه بذلك نقص حَمِيدٌ أي مستوجب للحمد لذاته لكثرة إنعامه وإن لم تشكروه أو يحمده غيركم من الملائكة وتنطق بنعمه ذرّات الكائنات . ولعله عليه السلام إنما قال هذا عندما عاين منهم دلائل العناد ومخائل الإصرار على الكفر والفساد وتيقن أنه لا ينفعهم الترغيب ولا التعريض بالترهيب . أخرج البخاري في تاريخه والضياء في المختار عن أنس قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « من ألهم خمسة لم يحرم خمسة » وفيها من ألهم الشكر لم يحرم الزيادة . وعن أبي هريرة مرفوعا « من أعطى الشكر لم يمنع الزيادة » أخرجه الحكيم الترمذي في النوادر ، ولا وجه لتقييد الزيادة بالزيادة في الطاعة بل الظاهر من الآية العموم كما يفيده جعل الزيادة جزاء الشكر ، فمن شكر اللّه على ما رزقه وسّع اللّه عليه في رزقه ومن شكر اللّه على ما أقدره عليه من طاعته زاده من طاعته ومن شكره على ما أنعم من الصحة زاده اللّه صحة إلى غير ذلك . أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ استفهام تقرير يحتمل أن يكون هذا خطابا من موسى لقومه فيكون داخلا تحت التذكير بأيام اللّه ويحتمل أن يكون من كلام اللّه سبحانه ابتداء خطابا لقوم موسى وتذكيرا لهم بالقرون الأولى وإخبارهم ومجيء رسل اللّه إليهم ، ويحتمل أنه ابتداء خطاب من اللّه تعالى لقوم محمد صلى اللّه عليه وسلم تحذيرا لهم عن مخالفته والنبأ الخبر والجمع الأنباء . قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ بدل من الموصول أو عطف بيان وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ أي من بعد هؤلاء الأمم الماضية الثلاثة لا يَعْلَمُهُمْ أي لا يحصى عددهم ومقاديرهم ولا يحيط بهم علما إِلَّا اللَّهُ سبحانه والجملة معترضة وعدم العلم من غير اللّه إما أن يكون راجعا إلى صفاتهم وأحوالهم وأخلاقهم ومدد أعمارهم أي هذه الأمور لا يعلمها إلا اللّه ولا يعلمها غيره أو يكون راجعا إلى ذواتهم أي أنه لا يعلم ذوات أولئك الذين من بعدهم إلا اللّه سبحانه ولم يبلغنا خبرهم أصلا . وعن ابن مسعود أنه كان يقرأ والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا اللّه ويقول كذب النسابون ، وعن عمرو بن ميمون مثله ، وعن أبي مجلز قال : قال رجل لعلي بن أبي